مجيئك أنقذه من الإعدام …

img

مجيئك أنقذه من الإعدام …
بعد قرابة سبعة شهور على اعتقاله و خلال تلك الدورة التي تشبه الدورة الشمسية في حرارتها بين الفروع الأمنية تم تحويلة إلى سجن صيدنايا العسكري ليحاكم أمام المحكمة الميدانية .
كانت كلمة ميدانية تحمل كل أوجه الرعب بالنسبة لي و أنا العارف بأحكامها في ثمانينات القرن الماضي حيث أعدم غالبية من مثلوا أمامها ممن توجهت لهم تهم الانتماء للأخوان المسلمين .
هنا بدأت البحث عن طريقة لإنقاذه من هذا الفك المفترس لكل من يقف أمامه .
طرقت كل الأبواب دون أي جدوى , لم أبخل بما أملك لأي شخص مقابل أي فائدة من أصغر حاجب حتى أعلى مستوى ممكن .
في النهاية أوصلني أحد الأصدقاء بضابط رفيع في الجيش كان قائداً لفرقة عسكرية فتم ترتيب موعد للقاء , و فعلاً توجهت في مساء اليوم المتفق عليه إلى استراحته على أطراف الريف الدمشقي الغربي و قبل وصولي بقليل تم إيقافنا على حاجز يتبع ذلك الضابط و طلب إلينا النزول من سيارتنا و ركبنا حافلة صغيرة مع حراسة من شخصين بعد أن ركنا سيارتنا عند الحاجز و بعد عشر دقائق وصلنا إلى الاستراحة و صعدنا إلى الصالة في الطابق الثاني , جلسنا قليلاً ليفتح الباب و يدخل رجل خمسيني طويل مرتدياً بدلته الرسمية السوداء فصافحنا و طلب إلينا الجلوس بكل احترام , شرحت له القصة أحسست من خلال تعابير وجهه و تنهيداته خلال سماعي تعاطفاً حاول جاهداً ألا يبرزه للعلن ربما هو المنصب ربما شيء آخر , اختلطت الأفكار في رأسي و لكن كانت جميعها تصب باتجاه وحيد هو مساعدة أخي .
أمسك هاتفه و كلم ضابطاً آخر في الشرطة العسكرية بدمشق و أخبره بأن شخصاً سيأتي إليك غداً فحاول مساعدته , ثم أجرى اتصالاً آخر مع النائب العام للمحكمة الميدانية و كان معروفاً للجميع محمد كنجو حسن و أخبره أن يقوم باستقبالي في اليوم التالي .
لم أنم تلك الليلة و أنا أخمن ما سيحدث معي كنت مضطرباً لدرجة كبيرة , لست واعياً لسماع من كان يكلمني , لم أكن أسمع إلا صوتاً قادماً من تلك الزنزانات يحمل الألم و الأنين و الحلم بالحرية من ظلمة السجن القاسية .
توجهت صباحاً إلى القابون إلى الشرطة العسكرية , كان اسمي موجوداً في الاستعلامات , أخذ المساعد بطاقتي الشخصية و هاتفي النقال واستدعى عنصراً و أخبره أن يرافقني إلى مكتب الزيارات , ثم إلى المحكمة الميدانية .
في مكتب الزيارات تم رفض طلبي للزيارة رغم التوصية لأن أخي لم يتم التحقيق معه بعد , بعد ذلك رافقني العنصر إلى مكتب القاضي .
المحكمة الميدانية عبارة عن مبنى في الزاوية اليسارية لفرع الشرطة العسكرية عند الدخول من الباب الرئيسي .
بمجرد وصولي كانت تقف سيارة نوع ( زيل ) مخصصة لنقل المعتقلين أعرف نوعها من قبل كانوا قد أحضروا فيها معتقلين للمحكمة رأيتهم عند دخولي جاثين و رؤوسهم تكاد تلامس الأرض , كان ممنوعاً عليهم رفعها .
وجدت كاتب القاضي بانتظاري فأدخلني إلى مكتب محمد كنجو حسن .
دخلت كان القاضي يجلس خلف مكتبه حاول أن يبدي نوعاً من الاحترام فوقف و صافحني و جلست , كنا وحدنا , جاء الكاتب و بيده ملف لونه أصفر أذكر عدد صفحاته حوالي 250 صفحة و سمح لي بالاطلاع عليه و أخبرني أنه نادراً ما يسمح بذلك , كانت ضبوط أمنية و تحقيقات من عدة فروع و تقارير و ضبوط شرطة مرفقة .
أمسك القاضي الملف و قال لي إن أبسط التهم هي التظاهر و سأشطبها أمامك و فعل ذلك فعلاً , أما بقية التهم و صار يعددها , كانت كثيرة , أحسست بأن أخي أخطر على نظام الأسد من بلد و فعلاً هو كان ثورة بحد ذاته .
بعد أن انتهى سألته عن الحل القانوني فأجابني بعدم وجود حلول فيجب أن يحاكم و يتم التحقيق معه , أخبرته أن الاعترافات في الفروع الأمنية تؤخذ بطريقة قسرية و كلنا يعرف ذلك فأبدى ازعاجه لذلك الكلام , و قال لي إن أجهزتنا الأمنية لا ترمي أحداً بالتهم جزافاً , كان يحاول أن يغلق كل الأبواب و عرفت أن الأمر أكبر من أي قانون .
في النهاية قال لي : سأخبرك أمراً واحداً , إن مجيئك أنقذه من الإعدام ..
لم أستطع سؤاله هل مجيئي سينقذه من التعذيب الذي قتل بسببه آلاف المعتقلين , هل سيمنع السياط من أن تنهال على جسده ؟
أسئلة كثيرة كنت أطرحها على نفسي و أنا أغادر مكتبه الذي أحسست فيه بأنه مركز للتعذيب النفسي أسوأ من فروع الأمن , لم يكن هناك سوى إجابة وحيدة لطالما رددها كبار السن في مجتمعنا بلهجتهم العامية : ( يلي إلو عمر ما بتقتلو شدة ) ..
أيقنت و أنا أسير ببطء نحو الباب الرئيسي أنه لا بد من الدفاع عن المعتقلين بكل ما يمكن فمهما فعلنا لن نقدم جزءاً من حريتهم المسلوبة من أجل كرامتنا .

 

Comments

comments

الكاتب samer

samer

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة