حياة في الموت

img

في ممر المستشفى بدأ الممرضون من الرجال والنساء في ضرب الحمادة بأحذيتهم ودعوته إرهابيًّا. عندما وصل إلى العنبر تم ربطه إلى السرير مع سجينين آخرين. سألته ممرضة عن أعراضه ثم ضربته بعصا. ويسجل تقرير الأمم المتحدة لتلك السنة: “تم ضم بعض ممارسي المهن الطبية إلى سوء معاملة” المساجين في مستشفى 601. كان الحمادة يعاني من عدم التصديق قدر معاناته من الألم.

تلك الليلة استيقظ الحمادة راغبًا في استخدام الحمام. ضربه حارس طوال الطريق إلى دورة المياه، ولكنه ذهب هناك وحده. عندما فتح أول حمام وجد كومة جثث محطمة وزرقاء. ووجد اثنين آخرين في الحمام الثاني ضامرين وبلا عينين. كانت هناك جثة آخر بجوار الحوض. خرج الحمادة مصابًا بالهلع، ولكن الحارس أعاده وقال له: “تبول فوق الجثث”. لم يستطع، بدأ في الشعور أنه يفقد إحساسه بالواقع. حسبما قال محققو الأمم المتحدة، فإن المحتجزين الذين يموتون كانوا “يحفظون في الحمامات” في عدة أفرع أمنية في دمشق.

في وقت لاحق من نفس الليلة دخل جنديان في حالة سكر إلى العنبر وصاح أحدهما: “من يريد دواء؟” رفع عدد من المعتقلين أيديهم. لم يكن الأطباء قد أعطوا الحمادة أي أدوية — فقط كيس محاليل شبه فارغ — ولكن أحد شركائه في السرير والذي كان قد قضى بضعة أيام في العنبر حذره ألا يتطوع. اختار الجندي سجينًا متحمسًا. استل الجندي سلاحًا حادًّا، وبينما يركع السجين عند قدميه برأسه في مواجهة الأرض بدأ في ضرب قاعدة جمجمته فاصلًا عموده الفقري عن رأسه ثم أمر مريضًا آخر بإلقاء الجثة في الحمام. قالت تقارير الأمم المتحدة عن المستشفى 601 “تم تعذيب الكثير من المرضى حتى الموت في تلك المنشأة”. كان الجندي يطلق على نفسه عزرائيل، يتذكره ناجون آخرون وهو يقتل سجناء بطرق مماثلة في وحشيتها.

قال لي الحمادة: “عندما رأيت ذلك أقسم – تلك كانت اللحظة التي فكرت فيها أن ذلك هو مصيري… سأموت هنا”. في اليوم التالي ترجى طبيبًا أن يعيده إلى فرع المخابرات الجوية. لاحظ الطبيب أن الحمادة لا يزال مريضًا. قال: “لا لا لا.. أنا قد شفيت بالكامل”. في اليوم الخامس اصطحبه إلى خارج مستشفى 601 نفس الحراس الذين أودعوه به. قالوا: “يا حيوان، يا ابن الكلب… لم تمت بعد”. وضربوه طوال طريق العودة إلى الفرع ثم علقوه من رسغيه لأربع ساعات.

في يونيو 2013 تمت إحالة قضية الحمادة إلى القضاء وتم تحويله لسجن أردا في دمشق، حيث تقدم بطلب لإثبات التهم المنسوبة إليه (السجون السورية تابعة اسميًّا لإشراف القضاء ولكن ليس الأجهزة الأمنية) قال الرد المكتوب أنه قد تم إلقاء القبض عليه “بجريمة الإرهاب وقد حرم من حريته منذ 5 يونيو 2013” — نفس تاريخ توجيه التهم إليه. رسميًّا فإن الشهور الخمسة عشر التي قضاها في فرع المخابرات الجوية في مطار المزة الحربي لم تحدث قط.

•في نهاية أغسطس شنت الحكومة السورية قذائف تحمل غاز السارين في أحياء عالية الكثافة السكانية في دمشق، وقتلت أكثر من ألف وأربعمائة شخص. كرد فعل أعلن الرئيس أوباما الذي كان قد التزم في وقت سابق بأن استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية خط أحمر: “لقد قررت أن الولايات المتحدة عليها أن تتخذ فعلًا عسكريًّا ضد أهداف النظام في سوريا”. وقال إنه سينتظر موافقة الكونجرس ولكنه أضاف: “ما هي الرسالة التي سنرسلها إذا كان ديكتاتور يستطيع أن يقتل مئات الأطفال بالغاز علنًا ولا يدفع الثمن؟”.

في أحد الأيام تم نقل الحمادة وعدد كبير من المساجين إلى المزة بلا تفسير. في تلك الليلة نقل عملاء المساجين بعدد كبير إلى هنجر فارغ في القاعدة. يعتقد أنه تم إطلاق صاروخ سارين واحد على الأقل من المزة وكانت هدفًا منطقيًّا لغارة جوية أمريكية. داخل الهنجر كان الحراس يسخرون من المعتقلين. قالوا إنه عندما يقصف الأمريكيون سورية فسيقتلون جميعًا.

في بداية سبتمبر تراجعت الولايات المتحدة عن احتمالية الحملة العسكرية وتمت إعادة الحمادة إلى محكمة الإرهاب في دمشق حيث تم أخيرًا نظر قضيته. لاحظ القاضي أنه قد اعترف بأنه هاجم نقاط تفتيش وقتل جنودًا. رفع الحمادة بنطاله وأرى القاضي أثر حريق السجائر كما رفع رسغيه كاشفًا عن الندوب البنفسجية العميقة وأظهر الآثار السوداء والبيضاء للضرب على جذعه. كان المشهد مألوفًا داخل قاعة المحكمة. قال القاضي على كل تهمة: “غير مذنب”.

قبل إطلاق سراح الحمادة تم استجوابه مرة أخرى من عملاء قسم الأمن السياسي وسألوه عن الاحتجاجات التي حضرها من سنتين. اعترف فورًا. “قلت نعم كنت في الاحتجاجات. وقلت إن الرئيس وغد!” وأضاف: “كنت قد مررت بالجحيم بالفعل. إن كان هذا هو الأمر فسأعترف بكل شيء”. بعد وقت قصير أعاد العملاء الحمادة إلى قاعة المحكمة. تعرف عليه القاضي وشطب القضية فورًا.

•عاد الحمادة إلى دير الزور التي وصفها بأنها “مدينة أشباح”. عامان من القتال المكثف والغارات الجوية دمرت الكثير من المباني. مئذنة المسجد العثماني كانت قد قصفت. كان ابنا إخوته الاثنان لا يزالان محتجزين في فرع المخابرات الجوية في دمشق وقد اختفى أفراد آخرون من أسرته في منشآت أمنية.

خلال اعتقال الحمادة كانت الثورة قد تحولت إلى حرب طائفية. أرست جبهة النصرة نفسها كقوة كبيرة لا يطغى عليها في الوحشية إلا داعش. كانت مجموعات المعارضة المعتدلة لا تزال موجودة، ولكنها عادة ما كان يقودها أمراء حرب فاسدون وفقدت مقاتلين إلى فصائل جهادية أكثر قدرة. العديد من الثوريين الذين قاتلوا يومًا ما من أجل الحرية أصبحوا راديكاليين أو قتلوا. المحاربون الموالون للأسد أتوا من العراق ولبنان وأفغانستان وإيران. وكان لداعش تواجد مهم في دير الزور. يقول الحمادة: “كانوا يقتلون جميع نشطاء الإعلام والنشطاء الديمقراطيين، وفي كل مرة كانوا يفعلون ذلك بطريقة هوليوودية مختلفة”.

هرب الحمادة إلى تركيا. ركب طوفًا خاصًّا بالتهريب إلى اليونان، ومن هناك سافر عبر أكثر من ألف وسبعمائة ميل إلى هولاندا حيث انتقلت أخته قبل الحرب. يتذكر الهجرة بهزة كتف وفي جملة واحدة كأنها لا شيء.

تم تأكيد سرد الحمادة للأعمال الوحشية في المستشفى 601 من خلال أكثر من خمسة وخمسين ألف صورة تم تهريبها من سورية عبر ضابط في الشرطة العسكرية يعرف باسم قيصر وهو اسم مستعار. قبل الحرب وثق قيصر وزملاؤه مشاهد لجرائم وحوادث مرور في دمشق، أحد أطرافها شخصيات عسكرية. وحمل الصور على كمبيوترات خاصة بالحكومة ثم طبعها وقام بتدبيسها مع شهادات وفاة رسمية. ولكن بداية من 2011 كانت الجثث لمعتقلين تم جمعها يوميًّا من أفرع أمنية وإيصالها إلى المستشفيات العسكرية.

في مستشفى 601 قام فريق قيصر بتصوير الجثث في المشرحة وفي مرفأ الجراج. كان لكل جثة مصورة رقم مميز يتكون عادة من أربعة أرقام — مثل رقم الحمادة 1858 — مكتوبة بخط رديء على ورقة أو شريط لاصق أو على الصدر أو الجبهة بقلم خطاط سميك. يحدد رقم آخر فرع المخابرات الذي قتل فيه المريض. كان هناك حوالي ألف ومائة جثة. كان فريق قيصر يصنف أكثر من خمسين جثة يوميًّا- هزيلة، مشوهة، مقطعة، محروقة، مضروبة بالرصاص، مخنوقة، مكسرة، ذائبة.

حسبما ورد في تقرير الأمم المتحدة، بعد أن انتهى فريق قيصر من التوثيق عادة ما كان طبيب في المستشفى يكتب “أزمة قلبية” على شهادة الوفاة. ثم يتم تحميل الجثث على شاحنات وإلقاؤها بعيدًا. في حالات نادرة تمكن أفراد العائلة من استعادة جثمان ولكن محققي الأمم المتحدة لاحظوا أنه في كل حالة معروفة “كانت تحمل علامات تعذيب شديد”. وأكمل التقرير “بعض الجثامين كانت تعاد من مشرحة المستشفى إلى العائلة، فقط بعد أن توافق العائلة على التوقيع على إفادة تؤكد أن المتوفى قتله “إرهابيون”.

هرب قيصر من سورية في أغسطس 2013 مع وحدات ذاكرة مخبأة في جواربه. بقيت الصور سرًّا حتى بعد أن تكلم مع فريق من المحققين الدوليين وخبراء الطب الشرعي في يناير التالي. بدون مفتاح الشفرة الذي يربط أسماء المعتقلين بأرقام الجثث كان من الصعب تحديد هوية المتوفين. الكثير من الوجوه تم تدميره بإتقان أو أن العيون تم نزعها. النشطاء السوريون المقربون من قيصر نشروا عدة آلاف من الصور على الإنترنت مما يسمح لأفراد العائلة أن يبحثوا عن أحبائهم المفقودين. تم توزيع الصور في مخيمات اللاجئين أيضًا واكتشفت بعض العائلات أنهم كانوا يدفعون رشاوى لضمان معاملة جيدة لأقارب تم قتلهم قبل وقت بعيد. حتى الآن تم التعرف على سبعمائة وثلاثين ضحية بمن فيهم بعض من زملاء الحمادة في الزنزانة.

نهاية اللعبة

بين صور قيصر وقضية لجنة العدالة قال لي ستيفن راب: “عندما يأتي يوم العدالة. سيكون لدينا أدلة أفضل مما كان لدينا في أي مكان آخر منذ نورمبرج”. ويعتقد ويلي وإنجلز أنه إذا وصلت القضية للمحكمة فإن لجنة العدالة لديها ما يكفي من الأدلة كي تدين الأسد ومعاونيه بعدد من التهم تتضمن القتل والتعذيب وأعمالًا أخرى ضد الإنسانية.

في العام الماضي عندما سُئل الأسد عن صور قيصر خلال مقابلة مع مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs قال: “من قال إن الحكومة فعلت ذلك وليس المتمردين؟ من قال إن هذه ضحية سورية وليس شخصًا آخر؟” عام 2011 ادعت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة أن طفلًا يبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا يدعى حمزة الخطيب عذب حتى الموت في المعتقل. وكرد توصل تحقيق سوري إلى أنه بعد وفاة الطفل بوقت قصير التقط “مصور شرعي.. ست صور ملونة” للجثمان “وأعطيناه رقم ثلاثة وعشرين”.

توصلت التحقيقات السورية إلى أن الصور أظهرت “عدم وجود علامات ضرب وعدم وجود علامات تعذيب وأن الطفل قُتل رميًا بالرصاص “في الأغلب من زملائه الإرهابيين”. كما وجد التحقيق أن الطبيب الذي أبلغ بأن قضيب الطفل مقطوع “أساء تقدير الموقف في فحص سابق”. تتضمن مجموعة قيصر ست صور لجثمان حمزة الخطيب. عيناه مغلقتان من الورم ورأسه لونه بنفسجي غامق من الضرب. قضيبه غير موجود وفي كل صورة هناك كارت ملطخ بالدم يحمل رقم ثلاثة وعشرين.

في رد رسمي على تحقيق الأمم المتحدة أشارت بعثة سورية الدائمة في الأمم المتحدة إلى الدستور السوري والقوانين المحلية السورية كدليل على أن “الادعاءات بوجود اعتقال تعسفي وانتهاكات للقانون في أي من مؤسساتنا لحماية القانون غير معقولة بعد الآن”. ويستمر الخطاب “ليس لدينا مساجين تم القبض عليهم خارج القانون لأمور لها صلة بالتظاهر السلمي. إذا كان سؤالكم بخصوص أفراد إستخدموا أسلحة أو إرهاب ضد الدولة فتلك مسألة مختلفة تماما”. في 2011 قال الأسد لبربارة والترزBarbara Walters إن مشاركة سورية في الأمم المتحدة “هي لعبة نلعبها وهذا لا يعني أننا نصدقها”.

من المنتظر أن تعقد هذا الأسبوع جولة جديدة من المفاوضات بين الحكومة السورية والمعارضة في جنيف حيث ينتقل مسؤولو الأمم المتحدة بين الوفدين اللذين لا يزالان يرفضان أن يتقابلا وجهًا لوجه. قبيل المفاوضات قال لي بركات – الواشي السابق في دمشق – إن وفد المعارضة طلب منه نسخًا من الوثائق التي سرقها من حكومة الأسد، فشل الوفد مع ذلك في ترتيب الاستلام.

في الشهور القليلة الماضية استعاد الجيش السوري الأراضي التي خسرها أمام قوات المتمردين وأصبح يبدو بشكل متزايد أنه من غير المتوقع أن يتنحى الأسد. أعلن وزير خارجيته وليد المعلم مؤخرًا: “لن نتحدث مع أي شخص يرغب في مناقشة الرئاسة”. ويتفادى ويلي وطاقم لجنة العدالة والمساءلة الدولية التعليق على تغيير النظام. قال لي: “نحن لا نريد التورط كثيرًا في المعاناة السياسية” لمجهودات إنهاء الحرب السورية “نحن ببساطة واثقون- ولا أظن أنها غطرسة- أن عملنا سيرى النور في المحكمة في وقت قصير نسبيًّا”.

يذهب الحمادة في هولاندا إلى جلسات علاج طبيعي لإعادة تأهيل أطرافه المشوهة ويدرس الهولاندية وينظم احتجاجات مناهضة للأسد في الميادين العامة مع أن حضورها يكون ضئيلًا. يتساءل عن أبناء إخوته وعن أخيه وعن زوج أخته وعن أصدقائه العديدين المفقودين. يبكي وهو يقول: “أين هم؟.. هل هم على قيد الحياة؟ هل هم أموات؟” تطلب شقيقته في سورية شهادات وفاة من الشرطة العسكرية بلا جدوى. يقول كل يوم: “تعاسة.. إنها تعاسة. إنها تعاسة. إنه موت. إنه حياة في موت”.

انتهى

Comments

comments

الكاتب editor

editor

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة