وتتوالى الآلام في العتمة وراء القضبان

img

سجين

كنت مدرساً أعطي بعض الدروس في الفيزياء حين دخل علي أربعة جنود وقد انتصبوا بباب صفي بهاماتهم المريضة، قبل أن ينبري لسان أحدهم نحوي وهو يصوب سلاحه على رأسي: “هيه .. الضابط يريدك”.

لم أنبس ببنت حرف حتى انهالوا علي أمام طلابي بالسباب والشتائم والضرب قبل أن يتم سحبي و “تطميش” عيناي ودفعي في مؤخرة سيارة زيل عسكرية تنتظر في الخارج.

تم نقلي الى درعا من ثم الى دمشق، وهناك في “فرع فلسطين” سيء الصيت والسمعة المعروف لكل السوريين تم التحقيق معي بتهم لم أسمعها إلا منهم وتتعلق بالمساس بهيبة الدولة ومناصرة المعارضة المسلحة وإيواء الإرهابيين وغيرها، لم أستطع بعد جولة من التعذيب الممنهج سوى تبني تلك التهم وذِكر تُهم لم أقم بها، لكني فعلت ذلك فقط لأدفع بلائهم عني.

في السجن من الممكن أن تتوقع أي شيء، وحديثك مع نفسك بهذيان وبصوت عالٍ ومرة أخرى برويّة وبعبارات غير مفهومة هو مناخ أي معتقل في سورية، وعندما تسأل عن تلك الحالة أو تشير باصبعك لأحدهم وهو يتفوه ويتصرف بتلك السلوكيات اللا سوية يأتيك الجواب من المعتقلين “هو (فاصل) لا تأخذ ببالك” ، أي خارج عن الواقع .

كل شيء هناك مؤلم وخارج عن الواقع، أجساد ناحلة ومنهكة، رجال نمى الشعر على وجوههم بطريقة تثير الرعب، رجال يبكون كالنساء، خطوط الطحالب ترسم طريقها على كافة جدران الزنزانة التي أمضيت بها سنة وتسعة أشهر وأربعة أيام. حتى هناك من الطحالب والجرب من نمى على اجساد بعض الرجال، كيف ..?

لا أدري، لكن كل ما أدريه أننا كنا 38 معتقلاً في غرفة تشبه علبة الكبريت والتابوت، لا تتجاوز الـ 3 أمتار، وكل ما أدريه حقاً أن لكل واحد منا قصته، وكل واحد منا هناك يتلوع مخمناً أسوء السيناريوهات المحتملة للحرب وما ستفعله هذه الحرب بعائلته خلفه.

في الطريق الموصل الى زنزانتي صرخات المعتقلين في الغرف مثل سوناتا محزنة لموتسارت تدفعك لتنسى كل شيء. وتوقع أي شيء.

ثم بالقرب من جثثهم، قذف السجّان بيديه الثخينتين جثتي لأنضم الى جوقة المحزونين والمنكسرين من هذا الوطن، يزحفون بقربي خدرين، أحدهم وهو عجوز يسأل بصوت مبحوح وواهن “ما اسمك، ومن أي منطقة جئت “يا مشحر”؟

أجيبهم مرتجفاً وبصوت متقطع:

– اسمي يوسف .. من .. القنيطرة ..

يتراجع البعض ويستمر الأخرون بالالتفاف حولي، ليسألني أحدهم بصوت خافت  “كيف حال البلاد .. هل هناك حل سياسي .. عسكري .. إي حل ..حل من الشياطين ، انا هنا منذ عامين ولا اعلم ما حل بأهلي هناك ?”.

يقترب آخر : بالله عليك كيف حال درعا ، هل سمعت شيء عن بلدة “النعيمة” ، هل نزح اهلها ، أبنائي وعائلتي هناك ..?

يصرخ آخر بصوت عالٍ وبلكنة شامية جميلة و واضحة ومحزنة، وقد وقف يترنح عارٍ من أي لباس باستثناء قطعة قماش تغطي عورته وآثار الإسهال بادية على ساقيه، وقف يتحدث مع نفسه: “يعقوب .. هل رأيتم ابني يعقوب .. كنت أريد أن آخذه الى المدرسة .. لقد تأخرت عليه .. هيه انت (ثم يشير باصبعه إلي) حلّفتك بالله هل رأيت ابني يعقوب .. ?”

يلكزني أحدهم وقد تربع قربي بكوع يده: “اتركه .. لا تجبه فهو (فاصل)، فمنذ ان حققوا معه آخر مرة وقد عاد وهو يهذي بهذه القصة”.

كان عمره 33 عاماً، اصيب بهذا البلاء (اي الهذيان) أو ما يسموه (الفصل) منذ شهر من مجيئي للسجن، وكان “الشاويش” وهو سجين معنا وقد حولته ادارة السجن الى وحش ليكون المشرف على المهجع (أي بمثابة قاتل مأجور)، وأي أجور بخسة كان يتقاضاها، فقد كان يزعجه والد يعقوب بصراخه. كما لم تتحمل إدارة السجن أيضاً صراخ والد يعقوب وعويله، فطلب منه البواب أن يتخلص منه وله “ربطة خبز” كاملة إن فعل ذلك.

كنا نتظاهر بالنوم عندما انسل بالقرب منه ذاك الشاويش وأخذ بيديه الباردتين يسد أنفاسه عن الحياة، كنت أسد اذنيّ ولا أقوى سوى على البكاء ومثلي كان البقيه، لكن رغبته بالحياة وحبه ليعقوب كان أقوى من أن يقتله انقطاع الهواء عن رئتيه، ظن أنه مات، ثم صرخ الضحية “يعقوب .. اين يعقوب ” . ثم عاد مرة ثانية ليلف بيده المتحجرة عقب رأسه ويضربه بالجدار لعله يموت. وبصوت عال يصرخ “كل يلي بدي اياه يعقوب .. ذبحوني يا خدوج..ذبحوني يا خدوج”.

ثم تسايل بالقرب منا كقطرة محكوم عليها السقوط، في عالم لا يعرف سوى طعم السقوط، ليضغط بعدها برجله القاسية على عنقه حتى تقطّعت أنفاسه.

عندها وقف ذاك الوحش بارداً منتصراً، ونفض عن نفسه روح والد يعقوب ليصرخ بعدها لبواب الزنزانة “البقية في حياتك ، هات الأجر”. وما كان الأجر إلا رغيفان من الخبز اليابس لا ربطة خبز.

 

Comments

comments

الكاتب editor

editor

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة