بانتظار شاهد لن يأتي

img

درعا الأبية، والشعلة الأولى للثورة السورية، هي المرأة التي خرجت من رحمها نساء حملن على أكفهن تعب الأرض وروحها، على تلك الأرض بدأن، غصت سجون النظام بهن، فكان لها النصيب الأكبر عن باقي المدن السورية، لكن النظام الاستبدادي الوحشي لم يفرق يوما بين ظالم ومظلوم، فما جرمها إلا أنها ابنة حوران وزوجة أحد الناشطين في مدينة درعا، هكذا تبدأ القصة لإحدى نسوة حوران اللاتي يقطن اليوم في عالم السجون المظلم.
اعتقلت نايفة على أحد حواجز مدينة درعا منتصف العام 2012، وفي حوزتها حاسوب زوجها المحمول الذي قاموا بتفتيشه، ومن ثم اقتادها العناصر إلى فرع الأمن العسكري للتحقيق معها، بعد أن شاهدوا في الحاسوب صوراً لزوجها مع إحدى الفصائل المعارضة، وبعض الصور والفيديوهات التي توثق جرائم وانتهاكات النظام في مدينة درعا, أخبرتهم أن الحاسوب لزوجها ولا تعلم ما بداخله، وأنها كانت ذاهبة لبيعه، لكن الأمن لم يصدق روايتها.
تعرضت السيدة للضرب والتعذيب والشبح من قبل عناصر الفرع كي تخبر عن مكان زوجها، وأسماء الأشخاص المدرجة صورهم مع زوجها… لكن دون جدوى، وبعد أسبوعين تم تحويلها إلى فرع الأمن العسكري في دمشق 215، الملقب بفرع الموت. وفي تلك الأثناء اعتقلت إحدى النساء اللواتي كن يعملن على تواصل مع ذاك الفصيل الموجود فيه زوجها، وفي تدرج سريع للأحداث، قام النظام بعد ذلك بنصب كمين واعتقل على إثره، قسماً كبيراً من عناصر الفصيل، وتم تحويلهم بشكل مباشر من فرع الأمن العسكري في درعا ومن ثم إلى فرع الأمن العسكري في دمشق الـ 215 . هناك أثناء التحقيق، أخبر الأمن السيدة بأن زوجها اعتقل مع أصحابه وأنه اعترف بقيام زوجته ببعض النشاطات مع تلك الكتيبة، وذلك لتوريطها بأكثر ما يمكن من التهم، إلا أنها أصرت على إنكار أية علاقة لها بالحاسوب أو بعمل زوجها، فهي لم تصدق اعتقالهم لزوجها إلا بعد مدة، حين سمعت صوت السجان ينادي باسمه هو ورفاقه إلى التحقيق.
حُوّلت نايفة الى سجن عدرا المركزي بعد حوالي شهرين، ليبقى زوجها الشاهد الوحيد على عدم تورطها داخل الفرع، بقيت في قسم الإيداع (جناح الإرهاب) حوالي الثلاثة أشهر قبل أن تعرض على القضاء، وهناك قام القاضي بتوقيفها لسماع الشاهد والذي هو زوجها، بأنه لا علاقة لها بالحاسوب وما بداخله، وتأجيل جلستها لحين حضوره، عادت السيدة إلى قسم الإيقاف بانتظار أن يُحضروا زوجها للشهادة، لكن في كل جلسة في القضاء كان الرد دائما “لم يحضر الشاهد”.
بعد اختفاء السيدة بأيام نتيجة الاعتقال وعدم معرفة أهلها بمكانها، أخبرهم أحد الضباط من أقربائهم أنه تم اعتقالها وتحويلها إلى دمشق، ليقوم شقيقها بالسفر إلى هناك والبحث عنها، وأثناء قيامه بالسؤال عن شقيقته اعتقل من قبل أحد الأفرع الأمنية في دمشق، لتصبح مصيبة الأهل أكبر بفقدان الاثنين، إلى أن علمت العائلة بتحويل أبنائها الى سجن عدرا المركزي الذي يقومون بزيارته كل أسبوع، متنقلين ما بين سجن الرجال وسجن النساء لزيارتهم.
لم يكن لأخ المعتقلة أي ذنب سوى أنه أراد البحث عن شقيقته… كان مصيره أن حكم عليه بالسجن عشر سنوات، بتهمة الإرهاب التي يكون قد اعترف بها تحت الضرب والتعذيب الوحشي الذي يستخدمه النظام أثناء التحقيق… لتبقى السيدة داخل السجن وألمها يزيد أكثر وأكثر منتظرة شهادة الزوج الذي هو المنقذ الوحيد لقضيتها.
الزوج الذي خرج منذ أشهر مع العديد من أبناء درعا، في مبادلة خاصة لإحدى الفصائل المعارضة مع النظام، قبل أن يستدعيه القاضي للشهادة، ومن ثم سافر للأردن بعد خروجه خوفا، من اعتقال آخر من قبل النظام الذي يلاحق كل معتقل خرج في التبادل.
أكثر من ثلاثة أعوام وما تزال نايفة معتقلة داخل السجون دون أي ذنب، بانتظار شاهد لن يأتي أبدا للشهادة، وأخ دفع ثمن البحث عن شقيقته عشر سنوات من حريته، تعيش السيدة داخل السجن بحالة نفسية سيئة جدا, فهل من المعقول أن يطلق سراح شاهد هو الفصل الوحيد في قضية زوجته قبل أن يطلب للشهادة؟! وإلى متى ستبقى تلك السيدة تنظر شاهدا قد غادر البلاد ولن يأتي يوماً، لأن مصيره سيكون الاعتقال مرة أخرى.
وتبقى هذه السيدة ونساء أخريات كحالتها….. بانتظار شاهد لن يأتي.
ياسمينا بنشي

Comments

comments

الكاتب yasmina

yasmina

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة