الاختفاء القسري في سورية بين الدستور السوري و القوانين الدولية

img
أخبار عامة 0 asem

الاختفاء القسري في سوريا

بين الدستور السوري و القوانين الدولية

قيل : ( يمكن وصف استراتيجية السلطات السورية في التعامل مع المعارضة بأنها استراتيجية وحشية فكل ما يتطلبه الأمر هو أن تتحدث ضدها مرة واحدة فقط كي تجعلها تقوم بإلقاء القبض عليك و كرر فعلتك ثانية و سوف تجعلك السلطات تختفي و بكل بساطة )

نص الدستور السوري الصادر عام 2014 في مواد منه على ما يلي :

المادة 33 :

1: الحرية حق مقدس و تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية و تحافظ على كرامتهم و أمنهم .

المادة 50 : سيادة القانون أساس الحكم في الدولة .

المادة 53 :

1: لا يجوز تحري أحد أو توقيفه إلا بموجب أمر أو قرار صادر عن الجهة القضائية المختصة .

2: لا يجوز تعذيب أحد أو معاملته معاملة مهينة و يحدد القانون عقاب من يفعل ذلك و لا يسقط هذا الفعل الجرمي بالتقادم .

3: كل شخص يقبض عليه يجب أن يبلغ خلال 24 ساعة أسباب توقيفه و لا يجوز استجوابه إلا بحضور محام عنه إذا طلب ذلك كما لا يجوز الاستمرار في توقيفه لأكثر من ثمان و أربعين ساعة أمام السلطة الإدارية إلا بأمر من السلطة القضائية .

عند دراسة هذه المواد من الدستور و إسقاطه على واقع ما يجري في سوريا بعد اندلاع الثورة عام 2011 نجد أن ظاهرة الاختفاء القسري تشكل خرقاً لالتزامات الدولة السورية التي تكفلت بها وفق دستورها و تتجاهل بشكل كامل مبدأ سيادة القانون الذي اعتبرته ظاساسياً في الدولة و المجتمع .

الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006 عرفت الاختفاء القسري في المادة الثانية منها على أنه :

( الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها و يعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده مما يحرمه من حماية القانون ) .

و تنص هذه الاتفاقية في المادة الأولى منها على أنه :

1: لا يجوز تعريض أي شخص للاختفاء القسري .

2: لا يجوز التذرع بأي ظرف استثنائي كان سواء تعلق الأمر بحالة حرب أو التهديد باندلاع حرب أو بانعدام الاستقرار السياسي الداخلي أو بأي حالة استثناء أخرى لتبرير الاختفاء القسري .

و قد اعتبرت هذه الاتفاقية أن الاختفاء القسري جريمة ضد الإنسانية .

في سورية الاختفاء القسري ليس ظاهرة جديدة مرتبطة بثورة عام 2011 ضد حكم بشار الأسد إنما يعود تاريخها إلى حقبة الثمانينات من القرن المنصرم إبان حكم الاسد الأب الذي اختفى في عهده ما يزيد عن سبعة عشر ألف مواطن سوري لم يعرف مثيرهم حتى الآن .

و بعد عام 2011 ازدادت هذه الظاهرة بشكل كبير جداً نتيجة تغول الأجهزة الأمنية التابعة لنظام الحكم في دمشق و التي باتت تستميت للدفاع عن وجودها المرتبط جملة و تفصيلاً بوجود نظام آل الأسد , فقد اختفى آلاف السوريين دون أثر قسراً حيث يتم احتجازهم من قبل الحكومة و الجماعات المسلحة المختلفة في مواقع سرية على امتداد الأرض السورية في ظروف بالغة القسوة , يتعرضون فيها للتعذيب و منهم من يواجه القتل و الموت من الجوع و انتشار الأمراض بكل كبير في تلك المعتقلات .

ووفق تقارير منظمات حقوق الإنسان فإن آلاف الرجال و النساء و حتى الأطفال تعرضوا للخطف من الشوارع و المنازل و أماكن العمل قبل أن يتم نقلهم إلى سجون رسمية أو مراكز اعتقال سرية .

ومنهم من يبقى قيد الاحتجاز لفترات طويلة دون الحصول على أي مساعدة قانونية أو اتصال بأسرهم .

أما بالنسبة لأنماط الاختفاء القسري في سوريا فهي متعددة فالحكومة السورية هي المتهم الأكبر بتنفيذ هذه العمليات و احتجاز العدد الأكبر من الضحايا كما أن الجماعات المسلحة على اختلافها باتت تتبع هذا الأسلوب و إن كان ذلك يتم على نطاق ضيق بالمقارنة مع ما تقوم به الحكومة السورية .

و تتفاوت التقديرات لأعداد المختفين قسرياً بين منظمة و أخرى :

فالشبكة السورية لحقوق الإنسان تقدر عدد من يحتجزهم النظام بطريقة قسرية نحو خمسة و ثمانين ألف شخص .

أما مركز توثيق الانتهاكات في سورية فيقدر عدد المختفين قسرياً بعشرات الآلاف من بينا 1100 حالة تم اختطافهم من قبل مجموعات مسلحة معظمها من تنظيم الدولة الإسلامية .

كما سجل المركز 2300 شخص مفقودين دون ظهور أي أثر لهم .

الهيئة السورية للعدالة الانتقالية و التي تمثل جهازاً مستقلاً من أجهزة الحكومة السورية المؤقتة كشفت عما لا يقل عن ثلاثة و ستين ألف حالة اختفاء قسري بين مفقود و معتقل و مقتول تحت التعذيب و اعتمدت في ذلك على أعمال التوثيق الجنائي للعديد من مراكز التوثيق خلال الثورة و من خلال تحليل البيانات و إسقاطها على النصوص القانونية و الأركان التي ترسم هذه الجريمة .

و لكن مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة يعتقد أن العدد الحقيقي لحالات الاختفاء القسري في سوريا لن يعرف بالكامل إلا بعد انتهاء الصراع .

فالاختفاء القسري الذي تعتمده السلطات السورية كأداة لسحق العارضة لا يزال مستمراً على الرغم من مطالبة الأمم المتحدة هذه السلطات بوضع حد لهذه الممارسات البغيضة كما وصفتها .

و بالنتيجة السلطات السورية تضرب بعرض الحائط مطالبات أعضاء مجلس الأمن الدولي مما يدل على الفشل الذريع للأمم المتحدة و أجهزتها في تحقيق الحماية للسوريين من هذه الظاهرة مما أطلق العنان للحكومة السورية لمواصلتها حملاتها المحمومة في الاختفاء القسري دون عقاب .

Comments

comments

الكاتب asem

asem

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة